الثعلبي
300
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
فمات ذلك النبي فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس فكان لا يغضب ، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل ، فضرب الباب ضرباً شديداً فقال : من هذا ؟ فقال : رجل له حاجة ، فأرسل معه رجلاً فرجع فقال : لا أرضى بهذا الرجل ، فأرسل معه آخر ، فقال : لا أرضى بهذا ، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاّه وذهب ، فسمّي ذا الكفل . وقال مجاهد : لما كبر اليسع ( عليه السلام ) قال : لو أنّي استخلفتُ رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى انظر كيف يعمل ، قال : فجمع الناس فقال : من يتقبّل لي بثلاث استخلفه : يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ، فقام رجل تزدريه العين فقال : أنا فردّه ذلك اليوم . وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل فقال : أنا فاستخلفه قال : فجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان فأعياهم فقال : دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة وكان لا ينام بالليل والنهار إلاّ تلك النومة فدّق الباب فقال : من هذا ؟ قال : شيخ فقير كبير مظلوم ، فقام ففتح الباب فجعل يقصّ عليه فقال : إنّ بيني وبين قومي خصومة وإنّهم ظلموني وفعلوا ، وفعلوا فجعل يطوّل عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة ، قال : إذا رحت فإنّني آخذ لك بحقّك ، فانطلق وراح ، فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ ، فلم يره فقام يتبعه ، فلمّا كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه ، فلمّا رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدّق الباب فقال : من هذا ؟ قال : الشيخ المظلوم ، ففتح له فقال : ألم أقل إذا قعدت فأتني قال : إنّهم أخبّ قوم ، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا : نعطيك حقّك ، وإذا قمت جحدوني ، قال : فانطلق فإذا رحت فأتني ، ففاتته القائلة فراح فجعل ينظر ولا يراه وشقّ عليه النعاس ، فقال لبعض أهله : لا تدعنّ أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإنّي قد شقَّ عليَّ النوم . فلمّا كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل فلمّا أعياه نظر فرأى كوّة في البيت فتسوّر منها فإذا هو في البيت ، وإذا هو يدّق الباب من داخل فاستيقظ الرجل فقال : يا فلان ألم آمرك ؟ فقال : أمّا من قبلي فلم تُؤتَ والله ، فانظر من أين أُتيت ؟ فقام إلى الباب فهو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فقال له : أتنام والخصوم ببابك ؟ فعرفه فقال : أعدوّ الله ؟ قال : نعم أعييتني في كلّ شيء ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله منّي ، فسمّي ذا الكفل لأنه تكفّل بأمر فوفى به . وقال أبو موسى الأشعري : إنَّ ذا الكفل لم يكن نبيّاً ولكن كان عبداً صالحا تكفّل بعمل رجل صالح عند موته وكان يصلّي لله سبحانه وتعالى كل يوم مائة صلاة ، فأحسن الله عزّ وجلّ عليه الثناء . وقيل : كان رجلاً تكفّل بشأن رجل وقع في بلاء فأنجاه الله على يديه .